بسم الله الرحمن الرحيم

 

‏رسالة عاشوراء ما بين الوظيفة البكائية والمشروع التغييري‏

بقلم: الشيخ علي الميرزائي‏

تطمح هذه المقالة إلى رسم معالم رؤية جديدة، أعمق وأشمل مما هو مألوف في منهج عرض ثورة الحسين عليه السلام ونوعية توظيف واستثمار هذه النهضة المباركة لترقية الحالة القيمية ونشر راية الدين في المجتمع البشري في كافة مراحل التغيير والإصلاح الاجتماعيين وخاصة في المرحلة التي تتعرّض حقيقة وجوهر الدين والمعتقدات الدينية لخطر التشويه والتحريف.
واضح أنّ ثورة كربلاء لم ولن تتجمّد في رمضاء نينوى، ولكنّها تتحرّك على مدى التاريخ وامتداد الزمان والمكان وتتشخص ليس فقط في ذاكرة التأريخ بل في واقع الحياة البشرية. ولكنّنا دون أن نخوض في عرض ما أدّى إلى خلود نهضة الحسين عليه السلام وسرّ عدم خمود هذه الشعلة المقدسة ننعطف نحو تفسير ما إذا يتمكّن الانسان من تجسيد واستحضار هذا الإنهاض الحسيني في كلّ عصر، وكذلك سنحاول من خلال وريقات عدّة تسليط بعض الضوء على ما يتوجب على مضمون العرض العاشورائي وبالذات المضمون الفكري والثقافي له كي يتأهل ليكون عنصر تغيير وتحريك في المجتمع المصاب بالشلل الروحي والأمة الفاقدة للحركة الإيجابية والصمودية.
صحيح أنّنا مقرّون دون تردّد بأن ما اشتعل في عام 61 من الهجرة ظلّ وسيظلّ إلى الأبد حياً في وجدان الأجيال غير أن هذه الحقيقة تماثل حقائق أخرى؛ في أنها لا تموت وتفنى ولكنّما الوعي العميق والاستيعاب الشامل لما تتضمّنه من عناصر إحياء وإصلاح في جميع أصعدة الحياة هي وحدها تضمن التغيير والإصلاح على ساحة الفرد والمجتمع.
من يشكّ في أن في شمس ثورة الحسين عليه السلام ما يمكّن تاريخ البشرية كلّه لكي يتزوّد من دفئها وحرارتها؟ ولكن، مما لا مراء فيه كذلك هو: أنّ الشمس التي تشرق في المساء أيضاً تحول بينها وبين أهل الأرض غيوم وحجب كلّما ضخمت وسمكت كلّما تحرم البشر من حرارتها أكثر، دون أن يعني شي‏ء من ذلك أن الشمس ضعفت أو صغرت ولكن القابل والمتلقي هو الذي ما تمكّن من الإفادة منها. على هذا الأساس إنّ من دون أن يرقى إلى خلود عاشوراء الحسين أدنى شكّ في قدرتها على تمثيل هذا الدور الخالد والتاريخي، بيد أن هناك حقيقة في غاية المرارة يجب أن نقولها لنعتبر منها وهي أن دائرة مفاهيم عاشوراء وإطار معطياتها عند المسلمين ضاقت وانحسرت لتكون في أغلب الأحيان مقصورة على الحالة العاطفية والبكائية. وأمست المجالس العاشورائية في أيام معدودات مطرحاً لعرض الثورة ومضامينها الخاصة بالجانب المشاعري ليحظى الباكي والمبكي بجزيل الثواب، ناسين أن الحقيقة الكبرى في سرّ إصرار آل البيت عليهم السلام لإقامة مجالس الذكرى الحسينية تختبى‏ء في ضرورة استحضارها كبركان طاقة وشعلة محرقة تمكّن البشرية لتفجّرها وتشعلها لهدم أركان الجور وإحراق جذور الاستعباد والاضطهاد الممارس ضدّ الإنسان من قبل الإنسان. ولا أعتقد أن أحداً منا يقبل كي تكون هذه الملحمة الحسينية تقتصر في فلسفاتها على «نظرية خلاص» لأتباعه وشيعته كي تتقارب ثورة الحسين وتراجيديا قتله تتماثل مع ما يظنّ البعض بأن المسيح صلب لأجلنا وتحمّل أعباءنا فعلى هذا قام الحسين عليه السلام بما قام، وصنع أكبر ملحمة في تاريخ الإنسان كي يذكره الإنسان ويبكي لأجله وإذا لم يقدر عليه فليتباكى ليفوز بالجنة... أهذا هو سرّ ومضمون ما قصده الإمام عليه السلام أم هناك أفق عاشورائي أوسع وأرحب وأعمق بكثير من مثل هذا رغم كلّ ما للبكاء والحزن من جزيل ثواب وعظيم أجر لا ينكر؟
العرض التقليدي الذي ألِفَ الناس عليه هو أن عاشوراء مناسبة للحزن والبكاء ولذلك يبدو أن الميزان في مدى انسجام الناس مع الإمام عليه السلام وحركته هو البكاء والحزن، فإذا جاءت مناسبة البكاء والحزن وبكينا على الحسين وآله وأصحابه فحينئذٍ نحن نشعر وكأننا أدّينا الحقّ وفزنا بما يمكن أن يفوز به إنسان في المجالس والأيام الحسينية.
وعلى هذا الأساس الخاطى‏ء أصبح عند عامّة الناس الخطيب المؤهّل للوسام الحسيني من الدرجة الأولى ليس الذي يعالج حركة الإمام الحسين فكرياً ويسعى لإخراج وإحياء المضامين العميقة التي تسفر عن ممارسة تغيير جذري في الفرد والمجتمع فتقرّب آفاقنا نحو آفاق الحسين وأخلاقه وسيرته وتبعّدنا من كلّ خصال السوء التي ملأت وجود مخالفيه ولكنّ من يستحق ذلك الوسام هو الذي مهر وبرعَ في إجراء وإسالة دموع الحضور. وأخيراً أصبحت المجالس الحسينية وخاصة في لبنان وعند الرأي العام تحيى وتقام على أكتاف مقرى‏ء العزاء يجوز لغيره أن يقترب من هذه المجالس لو يعرف فنون ومهارات الإبكاء وهذا يعود سببه إلى أن قمّة الرسالة العاشورائية عند الشارع الشيعي في الغالب هو الحزن والبكاء غفلةً عن أن البكاء على المظلوم كائناً من كان من طبيعة الإنسان الذي لم يمت قلبه ولم يقس فؤاده، وكيف لا يبكي الإنسان على من قتل في كربلاء دون حتى مباشرة الخصوصيات والانتماءات في ذلك. إذاً تكفي الإنسانية في الإنسان ليذرف الدموع على سيد الشهداء وعلى أصحابه وأولاده ولكن البكاء ليس نهاية الرسالة لتكون الحالة البكائية كلّ مضمون المجلس الحسيني بل الحزن والبكاء في هذه المأساة هما اللذان يخلّدان الحدث ويمنعان من أن ينسى وليس أكثر، وأما المسؤولية الكبرى سوف تبدأ بعد هذه المرحلة وهي تبيين الفلسفة الحسينية التي هي وراء هذه الثورة والتي هي منطلقها ومبدؤها ومقصدها والتي لأجل إخلادها في أبدية التأريخ أصابه وأهله ما أصاب.
أبَعْدَ هذا الظلم من ظلم على البشر وعلى النهج أن يبقى الخط الحسيني ونهجه وسيرته ودواعي حركته مهجورة مغمورة ويبقى البكاء كل المضمون الكربلائي ومقرى‏ء العزاء بطل المناسبة؟
إذاً يجب أن يكون المجلس الحسيني منطلقاً جديداً ونقطة تحوّل تُحدث تغييراً في اتجاه الفرد وتوجّه المجتمع. والقيام بهذه العملية التغييرية الفكرية في غاية الصعوبة والأهمية لا يتحمّلها كلّ إنسان وإن كان رادوداً ومقرى‏ء عزاء قديراً. فلذلك إننا في هذه المرحلة في أمسّ الحاجة إلى طاقات فكرية تمكّننا من معرفة حقائق تكمن وراء إنطلاق الإمام وإقدامه على ثورته وأيضاً الإلمام بالمرحلة التي تعيشها أمّتنا في أقطارها ومن كلّ النواحي وقتئذٍ يستطيع هكذا إنسان القيام بدور ناشر الرسالة الحسينية في الناس والمحاولة لعملية التكييف.
إذاً إن الوظيفة الكبرى التي نتوخاها من مضمون هذه المجالس هي أخلاقية وسياسية اجتماعية ومن ثمّ بكائية. معلوم أن الحكم الأموي أقدم على نفي السيدة زينب عليها السلام من المدينة لتذهب إلى الشام، أبعدها كما قال بعض المؤرخين لأنها كانت تقيم مجالس العزاء، ولكن أيّ مجلس عزاء؟ بكاء يستحضر كلّ حبّ وولاء للمبكي عليه ويستجلب كلّ نفور وغضب على الذين أجرموا واقترفوا تلك الجرائر. فالبكاء دافع، حاثّ، محرّك ومحفّز وطريق ولكنّه ليس حركة وتطبيقاً وتجسيداً وترجمة لرسالة الحسين عليه السلام في واقع الحياة. قام الإمام للدفاع عن الدين والحؤول دون تحريفه وإضعافه ولإقامة فرائض الشريعة وإحياء الصوم والصلاة وغير ذلك من مضمون الدين. إذاً لا تبقى الثورة الحسينية إلاّ عبر هذه الانفعالات والبكاء والحزن والمجالس ولكن كلّ ذلك يساعد على أن تكون هذه الحركة لا تنسى. أمّا والحقيقة العظمى المتوخاة منها لا تتسنّى للبشر إلاّ إذا تجاوز البكاء والحزن وذهب إلى أبعد من ذلك بكثير وهو تحقيق ما لأجله قامت قيامة كربلاء وإنجاز ما لأجله ثار الحسين عليه السلام وأما الذين يخالفون البكاء ويكتبون عنه هنا وهناك باستهزاء واستفهام ويظنون بأن البكاء عمل غير واعٍ وينظرون إليه نظرة سلبية أو يعتبرونه مما لا يؤثّر في صناعة الأحداث فعليهم أن يعرفوا من الناحية الاجتماعية بأن البكاء الاجتماعي أقصد البكاء الذي يمارسه مجتمع بأسره على قضية مقدسة واحدة، تمثّل أكبر من قنبلة نووية ومن شأنها إزالة وإزاحة أنظمة قديرة كبيرة جداً لأن قضية مشتركة بين جيل لو بلغت غاية المرحلة العاطفية أي البكاء وذرف الدموع فحينئذٍ ليس فقط تصنع الحدث بل تغير وجه دولة ونظام. وهذا لأن البكاء بكاءان، واحد عن ذلة وآخر عن عزّة. وأمّا إنكار تأثير البكاء على الحياة فلا يصدر إلاّ ممن لا يعرف من سيكولوجية البكاء والحالات النفسية العاطفية في علم النفس كثيراً.
واضح بأننا نلاحظ اتجاهين لا يخلوان من إفراط أو تفريط. فريق لا يهمّه من المجلس الحسيني إلاّ مضمون بكائي عاطفي بحت وآخر لا يرى في البكاء عقلانية، ولكننا نقول بأن البكاء ليس إرادياً والدموع تجري وتسيل في وقتها وعند مشاهد خاصّة والعين تدمع على الحسين وأصحابه وعلى زينب الكبرى ومصائبها ولكن وهذا حلقة ربط بيننا وبين هذه الملحمة فلا يمكن أن نختصر كلّ شي‏ء في هذه الحالة العاطفية ولا يعقل من ناحية أخرى أن نزن البكاء بميزان العقل. إن الحزن والبكاء وما إلى ذلك حالات تطرأ على النفس والقلب وعدم البكاء في ما يستحقه لعلّه مخالف للفطرة والطبيعة البشرية.

مجلة بقية الله _ www.baqiatollah.org


بسم الله الرحمن الرحيم

 

‏خصائص وعبر من كربلاء

 

قراءة في خطابي الإمام الخميني (قده) والقائد المعظم السيد الخامنئي (دام ظله)

شكلت حادثة كربلاء على امتداد التاريخ منبعاً لا ينضب لكل أحرار ومستضعفي العالم تجاه الظلم والظالمين. وقد طبعت هذه الواقعة حياة الشيعة عامة كما شكلت الواجهة الأساس التي كان يراهم الأعداء من خلالها طيلة قرون متمادية. وقد شاء الله تعالى لهذه الواقعة  أن تخلد وأن تخرج عن كونها حادثة وقعت في التاريخ الى أن تصبح من مكونات التاريخ وصانعةً له ومؤثرة في صنع المستقبل. وكان من أبرز من تفاعلت روحه وفكره بثورة كربلاء العظيمة الإمام الخميني(قده) وتلاميذه المباركين وعلى رأسهم ولي أمر المسلمين السيد القائد الخامنئي. وقد تميز فكرهما وخطابهما بالتلاقي الفعلي والفعّال مع حركة هذين العظيمين، بحيث ليس من المبالغة أبداً القول إن أهم الطرق لفهم كربلاء ومضامينها يكمن في الاستماع والتتبع لما قالاه في كربلاء. وسيتضح لنا كم هو مهم ما لاحظاه وكم هي مهمة قراءتهما لكربلاء وفهمهما لها وتطبيقهما لذلك في حياتهما. فإن الفكر الحركي إذا ما قورن بالحركة والتجربة يكون أصوب وأنضج، ويكون صاحب تلك الحركة من أقدر الناس على قراءة كربلاء وفهمها. ولهذا لم يكن عبثاً السعي لاستخلاص المضامين الفكرية لحركة الإمام الحسين(ع) من خلال ما قالاه. وسنحاول في هذا البحث الإشارة قدر الامكان إلى نصوص وردت عن هذين العظيمين وعناوين مستقاة من منهلهما العذب محاولين منهجتها وتقديم بعض الشروحات لها ولو بشكل مختصر.

دور القائد:
من عبر كربلاء أنها دلّت على مدى الحاجة للقائد الملهم في حركتها وفي قيامها بالمهام المطلوبة منه. وقد ركّز السيد القائد الخامنئي على أهمية دور القائد من حيث كونه الأقدر على تشخيص الواقع الفعلي وبالتالي الأقدر على اتخاذ الموقف المطلوب في تلك المرحلة من خلال الترتيب الصحيح والدقيق للأولويات. وفي هذا المجال نراه يقول: «إن الحسين بن علي(ع) قد شخّص في وقت حسّاس جداً من تاريخ الاسلام الوظيفة الرئيسة من بين وظائف متنوعة ومتفاوتة من حيث الأهمية، ولم يخطى‏ء أو يشتبه في معرفة ما كان العالم الاسلامي محتاجاً إليه في ذلك اليوم. ولقد كان تشخيص الوظيفة الأصلية دائماً دائماً أحد نقاط الخلل والضعف في حياة المسلمين على مر العصور».

أهمية التشخيص الدقيق للأولويات:
ويؤكد السيد القائد الخامنئي على أهمية هذا التشخيص فيقول: «الخلل في تشخيص الوظيفة الأصلية يعني أن أفراد الأمة والقادة ووجهاء العالم الإسلامي يخطئون في ذلك التشخيص في لحظة من الزمن فلا يعرفون ما عليهم أن يفعلوا أو أن يقدموا وماذا عليهم أن يتركوا أو يؤخروا». «لقد كان من بين رموز المسلمين في ذلك الوقت أشخاص مؤمنون يريدون العمل بالتكليف لكنهم لم يدركوا ما هو التكليف الرئيسي ولم يشخّصوا أوضاع ذلك الزمان ولم يعرفوا العدو الرئيسي فخلطوا بين المهمة الأساسية المحورية والمهام المتأخرة عنها».
إن وضوح الرؤية تجاه الأولويات سيدفع بكل إصرار نحو العمل لتنفيذها من غير تعلل أو تسامح في شأنها أو تحجج بالانشغال بأمور أخرى أقل أهمية. وفي هذا المجال يقول السيد القائد الخامنئي: «هناك أشخاص ربما كانت لديهم انشغالاتهم واهتماماتهم كالتدريس والتأليف والوعظ والإرشاد.. وهؤلاء يعتقدون أن الانشغال بالصراع سيلهيهم عن هذه الأمور فكانوا يتركون الجهاد على أهميته حتى لا تتوقف تلك الأعمال». «من البديهي أن الحسين بن علي (ع) بتوجهه إلى العراق سوف يحرم من البقاء في المدينة ومن تبليغ الأحكام للأمة وبيان معارف أهل البيت (ع) وإرشاد المسلمين كما سيحرم من تقديم العون للفقراء والأيتام وهي أمور كان ينشغل بها الإمام الحسين (ع) قبل كربلاء لكنه جعلها جميعاً فداءً للوظيفة الأكثر أهمية حتى أنه ضحّى بحج بيت الله الحرام في سبيل التكليف الأهم». «وقف الإمام الحسين (ع) في وجه نظام الحكم ولما تبرز المشاكل بعد، وبعد ذلك بدأت المشاكل تتوالى كالاضطرار إلى الخروج من مكة وغيرها. ومن الأمور التي تمنع الانسان من الاستمرار في المواقف الكبرى التمسك بالأعذار الشرعية وقد كانت في طريق الإمام الحسين (ع) كثيرة أوّلها إعراض أهل الكوفة ومقتل مسلم فإن هذا الحدث كان يقتضي في الظاهر أن يقرّر الإمام الحسين (ع) كونه عذراً شرعياً، وأنّ التكليف سقط، فعليه المبايعة بسبب الاضطرار أو لأنه من غير الممكن أداء التكليف في ظل هذه الأوضاع والأحوال، فإن الناس لن تتحمل ذلك. كما كان بمقدور الإمام الحسين (ع) لو أراد أن يعمل بهذا المنطق أن يقول: إن هؤلاء النسوة والأطفال لا طاقة لهم على تحمل هذه الصحراء المحرقة، كما كان يمكنه أن يقرّر يوم عاشوراء التوقف». «لو أراد الإمام الحسين (ع) أن يعمل كمتشرّع عادي ويدع عظمة رسالته في عالم النسيان كان يمكن أن ينسحب عند كل خطوة ويعلن عن سقوط التكليف، فإن الضرورات تبيح المحظورات ولكن الإمام الحسين (ع) لم يفعل ذلك وهذه استقامة وثبات الحسين (ع). فالامام الحسين (ع) بمجرد أن سنحت له الفرصة للقيام بعمل عظيم استغلّ تلك الفرصة وذهب إليها ولم يدعها تفلت من يده».

غربة الإمام الحسين (ع):
ومن الأمور الملفتة في حركة الإمام (ع) غربته في مجتمعه، في مجتمع المدينة، فلم يكن أحد يفهم ما يريد أو يستجيب لما يريد، إلاّ القلّة القليلة التي ناصرته. حتى بعض أعلام هذه الأمة كانت في وادٍ غير الوادي الذي كان فيه الإمام (ع). والجهاد في الغربة من أصعب أنواع الجهاد. وقد نبّه السيد القائد إلى هذه الالتفاتة المهمة إذ قال: «ويتحلى (أي جهاد الغربة) بخروج الإنسان إلى ساحة المعركة والمجتمع من حوله ما بين منكر عليه وغافل عنه ومعادٍ له، حتى أن الذين يميلون إليه يسكتون حتى عن ابداء التشجيع لمسيرته.. الغالبية أعداء له. والجميع معرِضٌ بوجهه عنه حتى المؤمنين، بل ان الإمام (ع) طلب من بعضهم النصرة فلم يجد ذلك البعض، إلاّ أن عرض على الإمام (ع) تقديم الجواد.. إنه الجهاد في الغربة، جهاد يفقد فيه الإمام (ع) أعزّ أعزّائه أمام ناظريه من بنيه وبني إخوته وأخواته وأعمامه.. كل ذلك مع علمه (ع) بأنه بمجرد استشهاده ستُسبى عياله وما سيجري عليهنّ. كل ذلك كان يعلم به الإمام إضافة إلى عطشه وعطش من معه من عياله..».
«مثل هذا العظيم الطاهر الذي تتسابق ملائكة السماء لمشاهدة نور وجهه والتبرّك به ويأمل الأنبياء والأولياء لو أن لهم مقامه، مثل هذا العظيم يستشهد في هكذا جهاد وفي هكذا محنة».

نظرة في أهداف الإمام الحسين (ع):
لقد تحدث العَلَمان عن أهداف الإمام (ع) وذكرا مجموعة من الأهداف بعضها يندرج في إطار المشروع العام للإمامة وبعضها يعتبر من خصائص حركة الإمام الحسين (ع) التي أصرّ عليها وإن أدّت إلى استشهاده. وفي الإشارة إلى بعض الأهداف من القسم الأول نرى الإمام الخميني يقول: «السلام على الحسين بن علي الذي نهض مع قلّة الناصر ليقوّض أسس الخلافة الظالمة الغاصبة دون أن تحمله قلّة العدد والعدة على مهادنة الظالم، وجعل من كربلاء مذبحاً له ولأولاده وأصحابه القلّة، وأوصل صرخته الخالدة «هيهات منّا الذلّة» لمسامع طلاّب الحق في العالم كله».
ويذكر هدفاً آخر يقول: «تحرّك (ع) ليستلم زمام الحكم، وهذا مبعث فخر له والذين يتصورون أن سيّد الشهداء لم ينهض لأخذ زمام الحكم فهم مخطئون، فسيد الشهداء (ع) إنما جاء وخرج مع صحبه لتسلّم الحكم لأن الحكومة يجب أن تكون لأمثال سيد الشهداء (ع).. لكن ليس من باب طلب الرئاسة، فلم تكن القضية قضية سيطرة أو تحكّم، فالحكم كله ليس له أي قيمة بنظرهم».
ولمثله أشار السيد القائد الخامنئي بقوله: «فهو لم يكن يهدف إلى السلطة من حيث هي شأن دنيوي. وقد روي عن الإمام الحسين (ع) أنه قال: اللهم إنك تعلم أنّ الذي كان منّا لم يكن منافسة في سلطان ولا التماس شي‏ء من الحطام..».
ثم يشير الإمام الخميني (قده) إلى الهدف الأساس الذي اختصّ به الإمام الحسين (ع) فيقول: «إن الذي صان الإسلام وأبقاه حياً حتى وصل إلينا هو الإمام الحسين (ع) الذي ضحّى بكل ما يملك وقدّم الغالي والنفيس وضحّى بالشباب والأصحاب من أهله وأنصاره في سبيل الله ونهض من أجل رفعة الإسلام ومعارضة الظفلم». «أوشكت حكومة يزيد وجلاوزته أن تمحو الإسلام وتضيّع جهود النبي (ص) المضنية وجهود مسلمي صدر الإسلام ودماء الشهداء وتلقي بها في زاوية النسيان».
وهذا المعنى قد عبّر عنه السيد القائد الخامنئي بطريقة أخرى إذ قال: «لم تكن واقعة الطفوف استنقاذاً لحياة شعب أو حياة أمّة فحسب بل كانت استنقاذاً لتاريخ بأكمله، وهذا ما فعله الإمام الحسين (ع) وأخته زينب وأهل بيته وأصحابه بموقفهم البطولي».
ويؤكد السيد القائد الخامنئي على هذا الهدف الجوهري بقوله: «شخص كالحسين (ع) وهو تجسيد لكل القيم الإلهية والإنسانية ينهض بالثورة حتى يقف بوجه استشراء الإنحطاط الذي أخذ يتفشّى في أوصال المجتمع وأوشك أن يأتي على كل شي‏ء فيه». «أحيى الحسين جدّه (ص) وهو معنى قول النبي (ص): وأنا من حسين».

الخواص والمعارضة:
تكمن أهمية الخواص في أنّ لهم الدور الكبير في تثبيت الجماعة على الخط الصحيح، كما أنّ لهم التأثير الخطير في انحراف الناس، وعلى الأقل في اضطرابهم وزعزعة أفكارهم، وتقديم النموذج للتبرير والتخلّف عن العمل بالتكليف الشرعي، وإن كان هذا التأثير سيبقى مقتصراً على ضعاف الإيمان والبصيرة، وهذه مشكلة كانت بارزة في المجتمع المسلم، بل في أي مجتمع عموماً في كل العصور حتى عصرنا الحاضر، ومن المهم جداً النظر إلى خطورة هذه القضية في عصر الإمام الحسين (ع). وقد اعتنى السيد القائد الخامنئي بهذه القضية عناية بارزة، وإليكم جملة مما قاله في هذا الموضوع:
«إذا نظرتم إلى المجتمع البشري، أي مجتمع كان تجدون الناس في فئتين: فئة تسير عن فهم ووعي وإرادة وتعرف طريقها، سواء كانت مصيبة في اختيارها أم لا، وهذه فئة الخواص. وفئة لا تفكّر فيما هو الطريق الصحيح ولا يهمها أن تحلّل لتعرف بل تتبع الجو السائد والهوى العام، وهذه هي فئة العوام».
«وقد يكون بين الخواص أناسٌ غير متعلمين لكنهم يفهمون ما ينبغي فعله ويخططون ويتفهمون الأمور ويسيرون بوعي وإرادة، وقد يكون من العوام أناسٌ متعلمون».
و«ينقسم الخواص إلى فريقين: خواص فريق الحق، وخواص فريق الباطل».
«الخواص المتابعين للباطل لا تتوقعوا منهم سوى الت‏آمر ضد الحق وضدكم، وهذا ما يفرض عليكم محاربته».
«عليكم العثور على ذاتكم في هذا المشهد الذي أتحدّث عنه في صدر الإسلام. بعض الناس من طبقة العوام، فإذا صادف أن كانوا في زمن يتصدّى لزمام الأمور فيه إمام كأمير المؤمنين (ع) أو الإمام الخميني (قده) ويسير بهم إلى الجنّة فخيرٌ على خير، هؤلاء يسوقهم الصالحون، لكن إذا صادف أن عاشوا في زمن من يصفهم القرآن بقوله: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) أو (ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة الله كفراً وأحلّوا قومهم دار البوار جهنّم يصلونها وبئس القرار)، فسيكون مصيرهم النار».
«إذا ضلّ الخواص دخلوا في خانة (المغضوب عليهم) والعوام في فئة (الضالين)».
«لن تنتهي المشكلة في أن نكون من خواص أهل الحق، بل هنا مشكلة جديدة لأن خواص أهل الحق فريقان: فريق تغلّب في الصراع مع مغريات الدنيا من الجاه والشهوة والمال واللذة والرفاه والسمعة وفريق خسر الصراع».
«إذا أصبح الخواص المناصرون للحق يخافون على حياتهم وأموالهم ومناصبهم حينها لن ينصروا الحق ولن يضحّوا بأنفسهم».
«لاحظوا مدى الضرر الناجم عن وجود هؤلاء الخواص في المجتمع، الخواص الذين يرجّحون الدنيا على مصير العالم الإسلامي لقرون مقبلة. جميع الخواص من أنصار الحق لم يكونوا إلى جانب  الحكومة.. لكنهم حينما أحسّوا ببطش السلطة الحاكمة تخاذلوا رغبةً في الحفاظ على أنفسهم وأموالهم ومناصبهم ونتيجة تخاذل هؤلاء مالَ عوام الناس إلى جانب الباطل».
«لو نظرنا إلى أسماء أهل الكوفة الذين كاتبوا الإمام الحسين (ع) لوجدناهم كلّهم من طبقة الخواص، لكن لما كان غالبهم يميل إلى التضحية بالدين من أجل الدنيا آلت النتيجة إلى مقتل مسلم بن عقيل، معنى هذا أن حركة الخواص تجلب في أعقابها حركة العوام».
ومن خلال نظرة إلى ما جرى في الكوفة مع مسلم وفي كربلاء يحلّل السيد القائد فيقول:
«أرى أنّ ذلك يعزى إلى الخواص من أنصار الحق الذين سلك بعضهم مسلكاً اتّسم بغاية التخاذل، من أمثال شريح القاضي الذي لم يكن من بني أمية وكان يعرف حقيقة الأوضاع».
«قد تؤدي حركة ما إلى تبديل وجه التاريخ، وقد تؤدي حركة أخرى مغلوطة إلى جعل التاريخ يتمرّغ في مهاوي الضياع، وهذا هو دور الخواص الذين يفضّلون الدنيا على الدين».
«لو أنّ شخصاً كشبث بن ربعي خشي الله في لحظة مصيرية بدلاً من خشية ابن زياد لتبدّل وجه التاريخ، لكنّهم انجرّوا لتثبيط الناس فتفرّق العوام».
«أينما تذهبون تُصدمون بموقف الخواص، ومن الواضح أنّ قرار الخواص في الوقت المناسب ورؤيتهم الصائبة في الوقت المناسب وإعراضهم عن الدنيا في اللحظات المناسبة وموقفهم في سبيل الله في الفرصة المؤاتية، هو الذي سينقذ التاريخ ويصون القيم».
«ولتغيّر وجه التاريخ ولما سيق الحسين بن علي (ع) إلى ميدان كربلاء».
«إنّ العوام يتّبعون الخواص ويسيرون وراءهم، ولذا فإن أكبر جريمة ترتكبها الشخصيّات الواعية المتميزة في المجتمع هو انحرافها لأنه يؤدي إلى انحراف كثير من الناس».

مجلة بقية الله _ www.baqiatollah.org


بسم الله الرحمن الرحيم

 

المجالس الحسينية: الدور وآفاق المستقبل‏

 إن تطور إحياء مراسم عاشوراء في السنوات الأخيرة والتفاعل المتزايد الذي حققته المجالس الحسينية مع الشيعة وغيرهم من الفئات على اختلاف انتماءاتها الدينيّة واتجاهاتها الفكريّة أثار اهتماماً وجدلاً في وسائل الاعلام ولدى الكثيرين من الناس فتنوّعت الأفكار واختلفت الدراسات بين محلّلٍ لهذه الظاهرة على أساس القيم والمعاني الانسانية المتمثّلة فيها، ومعلّقٍ يطرح الإشكاليات والانتقادات على خلفيّة سطحيّة خالية من الدقة والموضوعية.
ونظراً لأهميّة هذا الموضوع وانطلاقاً من كونه قضية ثقافية تُناقش فيها وجهات النظر،  توجّهت مجلة بقية الله إلى سماحة الشيخ علي دعموش مسؤول الوحدة الثقافية المركزية في حزب الله التي كانت المؤسس للمؤتمر العاشورائي الأول والتي أخذت على عاتقها رعاية شؤون الثقافة وتبنّت مهمة التوجيه الثقافي لبناء المجتمع الواعي والقادر على الوقوف بوجه كل التحدّيات والمصاعب، وهذا نص الحوار:

1 فضيلة الشيخ: شهد إحياء مراسم عاشوراء في السنوات الأخيرة إقبالاً جماهيرياً ملحوظاً، ما هي أسباب ودلالات هذا الانتشار الواسع للمجالس الحسينية؟
# يعود تاريخ إقبال الناس على المجالس الحسينية وتفاعلهم معها إلى بدايات تأسيس هذه المجالس في الأوساط الشعبية العامة، ولعلّ هناك أكثر من عامل يقف وراء تسرّب هذه الذكرى إلى الوجدان الشعبي والاقبال الجماهيري الواسع على مجالسها.
العامل الأول: هو العامل العقيدي، فثورة الامام الحسين (ع) ثورة إسلامية قام بها إمام معصوم من أجل تصحيح الانحراف الذي كانت تمارسه السلطة الظالمة، وهي ثورة دفعت إلى القيام بها مبادى‏ء الاسلام وأحكامه بهدف تنبيه الأمة على واقعها السي‏ء ودفعها باتجاه تحسين هذا الواقع وإصلاحه، وقد أدرك جميع الناس الواعين انتماء هذه الثورة إلى الاسلام وهذا ما جعلها تدخل إلى وجدان الناس فيحيون ذكراها ويقبلون على مجالسها.
العامل الثاني: هو دعوة أئمة أهل البيت (ع) إلى عقد هذه المجالس والحضور فيها والتفاعل معها وإظهار الحزن والبكاء على مصاب أبي عبد الله (ع) مع ما لذلك من الفضل والثواب والأجر الجزيل.
العامل الثالث: طبيعة المأساة التي حصلت في كربلاء، فإن الثورة من بدايتها حتى نهايتها كانت فاجعة تثير الحزن والأسى العميق، ولذلك فقد تمتّعت هذه الفاجعة بجاذبية غير عادية رفعتها إلى مستوى انساني عام بالاضافة إلى بعدها الديني.
العامل الرابع: التطور النوعي الذي شهده المجلس الحسيني في السنوات الأخيرة حيث غدا المجلس الحسيني مؤسسة ثقافية اجتماعية سياسية تبث العلم والمعرفة والوعي الديني والاجتماعي والسياسي والجهادي والتاريخي وتعالج مختلف القضايا المعاصرة، بحيث أصبح الناس يشعرون بالاستفادة من هذه المجالس فصاروا يرتادونها بشكل واسع.
العامل الخامس: المناخ الذي صنعته المقاومة الاسلامية في لبنان، فإن العمل الجهادي والاستشهادي للمقاومة الاسلامية في لبنان في مواجهة الاحتلال الصهيوني يعتبر امتداداً لكربلاء وتظهيراً معاصراً لبعض صورها ومشاهدها المشرقة والتي قدّمت نموذجاً عاشورائياً راقياً، واستطاعت بالتالي أن تجتذب الاهتمام إلى عاشوراء وذكراها بفيض دماء شهدائها الأطهار وتضحيات المجاهدين والجرحى والأسرى والذين هم أولاً وأخيراً تلامذة المدرسة الكربلائية الحسينية.
هذه العوامل وغيرها ساهمت إلى حد كبير في تفاعل الناس مع المجالس الحسينية خاصة تلك التي تعقد في أيام عاشوراء.

2 تطرح في الصحف دائماً إشكاليات حول إقامة المجالس الحسينية ومنها «أن إقامة هذه المجالس هو بعث لكوامن العداء بين المسلمين وإيقاظ للفتنة»، كيف يتم التعامل مع هذه الاشكاليات والردّ عليها؟
# إن بعض هذه الإشكاليات ناشى‏ء من سطحية في النظرة إلى المجالس الحسينية من قِبَل أشخاص لا يملكون أيّة ثقافة دينيّة فضلاً عن إلهام ولو أُفقي بمنطلقات ثورة الامام الحسين (ع) وأهدافها وموقعها في التخطيط العام لمسيرة الأمة.
كما أن بعضها ناشى‏ء من نظرة ذات خلفيّة سلفيّة تعصّبيّة غير واعية تنظر إلى كل من خالفها نظرة عدائية لا تتسم بشي‏ء من الموضوعية والعقلانيّة.
إن القول بأن إقامة هذه المجالس هو نبش لرواسب تاريخية مضت أو بعث لكوامن العداء بين المسلمين وإثارة للفتنة، منطق يتصادم مع أبسط ما قامت عليه الحضارات على امتداد التاريخ البشري وما توافقت عليه الأمم والشعوب على اختلافها، واختلاف انتماءاتها الفكرية والسياسية، حيث توافقت هذه وتلك على تخليد ذكرى عظمائها الذين صنعوا لها أمجادها وحققوا لها انتصاراتها وحفظوا لها تراثها ودافعوا عن مقدساتها، والامام الحسين (ع) حتى لو نظرنا إليه بمنظار عادي ما هو إلاّ عظيم من أولئك العظماء الذين ساهموا بكتابة التاريخ الانساني وقدّموا نموذجاً رفيعاً في الجهاد والعطاء والتضحية والاستشهاد من أجل المبادى‏ء والقيم والمقدّسات. فكيف إذا نظرنا إلى الإمام الحسين (ع) كما هو ديدن كل أئمة المذاهب الإسلامية وفقهائها على أنه سبط رسول الله محمد (ص) خاتم النبيين وريحانته من الدنيا وإمام قام أو قعد، بكاه رسول الله (ص) في حياته وأخبر عن ربه بأنه سيكون شهيد هذه الأمة وأبا الأئمة (ع) وسيد شباب أهل الجنة ومصباح الهدى وسفينة النجاة التي مَنْ ركبها نجا ومَنْ تخلّف عنها غرق وهوى.
إن الشيعة عندما يحيون ذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه إنما يقومون نيابة عن الأمة جميعها بما فرضه الله على المسلمين من وجوب تعظيم شعائر الله ومودّة ذوي قربى رسول الله (ص) يطلبون بذلك مرضاة الله وشفاعة نبيّهم (ص) وأهل بيته (ع) لا نكاية بأحد ولا قصداً لإثارة فتنة، كيف وهم ينظرون إلى الفتنة كأكبر المحرمات عند الله، وإذا رافقت بعض الهنّات إقامة المجالس في بعض الأماكن فإنما هي من تصرفات بعض الجاهلين ولا تعدو أن تكون تصرفات فردية وعفوية لا قيمة لها ولا دلالة.

3 يجري التداول أحياناً عن ضرورة إخراج المجالس الحسينية من الوجدان الشيعي إلى الوجدان الإسلامي العام بل إلى تعميمها لتخاطب جميع الناس على اختلاف أديانهم وانتماءاتهم الفكرية، كيف ولماذا؟
# لأنّ ثورة الإمام الحسين (ع) ثورة إسلامية وفكرها فكر إسلامي، ومن كونها كذلك فهي من إسلام العهد الأول الطاهر البهي، الاسلام الانساني الذي يختصّ الناس جميعاً حتى غير المسلمين ويريد ويقرّ العدالة والكرامة والحريّة للناس جميعاً حتى لغير المسلمين. والثورة الحسينية انبثقت في الأساس من حركة احتجاج على وضع منحرف غير عادل وغير إنساني، ومثّلت قيم ومفاهيم أخلاقية وإنسانيّة عامة، ولذلك لا ينبغي أن تعطى الذكرى الحسينية مضموناً طائفياً شيعياً على حساب جوانبها الاسلامية والانسانية العامة، بل ينبغي أن يعمّم فكرها وقيمها ومفاهيمها وإخراجها من الدائرة الطائفيّة إلى الدائرة الاسلامية والانسانية العامة.

4 قامت الوحدة الثقافية في العام 1999 بتنظيم المؤتمر العاشورائي الأول وكان هدفه تقييم المجالس الحسينيّة ودراسة سبل تطويرها والارتقاء بها. ما هي الخطوات التي اعتُمدت لتحقيق هذه الأهداف؟
# نحن لا نسلّم بأن في المجالس الحسينيّة شوائب وسلبيّات وثغرات بالحجم الذي يتصوره البعض حتى يبادر المؤتمر إلى وضع مقترحات لمعالجتها، نعم كان أحد أهم أهداف المؤتمر الثقافي العاشورائي هو تقييم ودراسة السبل الكفيلة بتقديم وبيان النهضة الحسينية العظيمة بما يتناسب أولاً مع عظمة الذكرى الحادثة وأهدافها الكبرى، وبما يحفظ ثانياً قداسة وأصالة وجوهر المجالس الحسينيّة وفوائدها الروحيّة والتربويّة، وبما يلبّي ثالثاً طموحات وآمال هذا المدّ الشعبي الكبير المتعاطف والمتفاعل مع الذكرى في لبنان والذي بدأنا نشهد تصاعده المتنامي والمستمر في السنوات الأخيرة مما يجعل مسؤوليتنا جميعاً كبيرة وثقيلة، ورابطاً بما يمكّن من توظيف هذه المناسبة إلى أقصى حدّ ممكن في خدمة الإسلام المحمدي الأصيل وتبليغه وتوضيحه وتكريسه ودعوة الناس جميعاً للالتزام به وهو ما استُشهد الإمام الحسين (ع) من أجله.
وقد استطاع المؤتمر أن يخرج بنتائج مهمة على هذه الصعد حيث تمّ إلى الآن وضع كتاب موحّد حول مقتل الامام الحسين (ع) وأصحابه تحت عنوان (المصيبة الراتبة) وقد تمّ توزيعه في عاشوراء السنة الماضية حيث اعتمدت قراءته في معظم المجالس في اليوم العاشر من محرّم سنة 1421ه، كما أنّ اللجنة الدائمة للمؤتمر تعمل على وضع تصور لمعهد المنبر الحسيني الذي يعنى بإعداد وتأهيل الخطباء وقرّاء العزاء، كما تم وضع تصور لمادة تاريخيّة موثّقة حول وقائع وأحداث النهضة الحسينية وهناك أكثر من سعي لاجراء بعض المقررات التي أوصى بها المؤتمر في بيانه الختامي.

5 تضمّنت أوراق عمل المؤتمر عنوان «تحديد أولويات الخطاب الموجّه إلى الناس في المجالس». بماذا خرج المؤتمرون حول هذا الموضوع؟
# اعتبر المؤتمر أن خصائص المضمون الفكري والثقافي للثورة الحسينية هي نفسها خصائص المضمون الفكري للاسلام والتي من أهمها الربانية والوحدانية والشمول والايجابية والتوازن والثبات والواقعية، والمجالس الحسينية التي تُقام في عاشوراء وفي غيرها من المناسبات ما هي إلاّ منابر لبلورة وبث مفاهيم الاسلام ومبادئه وقيمه وأحكامه وتشريعاته الروحيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والجهاديّة وغيرها...
والامام الحسين (ع) لم ينهض إلاّ من أجل هذا الاسلام العظيم وحمايته وحماية الأمة من اليد التي حاولت أن تعيدها إلى حياة الجاهليّة الأولى، ومن هنا فإن فكر المجالس الحسينية وخطابها ليس خطاباً أو فكراً متقوقعاً منكفئاً على الذات، وإنما هو نفس الفكر الذي تحدّى به الاسلام الدنيا وصارع أفكار الحضارات الأخرى فصرعها وحاورها فغلب منطقه منطقها. وكما أن من خصائص المضمون الفكري والخطاب الثقافي العاشورائي انه رباني، فمن خصائص قيادة الثورة لهذا الفكر أنها ربّانية أيضاً، فالامام الحسين (ع) هو في عقيدتنا الامام المعصوم المنصوص عليه بالإمامة، إمامة القيادة والحكم وإمامة العلم على لسان رسول الله (ص) وهو الحلقة الثالثة في سلسلة تضم اثني عشر إماماً معصوماً أوّلهم الامام علي (ع) وآخرهم المهدي (عج) ينضم بين اجزائها رباط إلهي مقدس هو عبارة عن النص بالامامة.
وقد أكّد المؤتمرون على ضرورة التركيز في الخطاب الموجه إلى الناس في المجالس الحسينيّة على بلورة هذه الخاصية الربانية في شخص القائد لما لها من أثر كبير في نفي كل ما من شأنه أن يمسّ قدسيّة كل موقف من مواقفه أو تصرف من تصرفاته في الحرب والسلم حتى لا يتوهم الناس أنّ هناك تناقضاً بين معصوم وآخر في موقف من المواقف أو في تصرف من التصرفات كما في صلح الامام الحسن (ع) مع معاوية، وثورة الامام الحسين (ع) على يزيد الطاغية إذ أن كل إمام من أئمة أهل البيت (ع) إنما يقوم بما يفرضه عليه موقعه ودوره الذي حدده الله تعالى له ورسمه عندما جعله للناس إماماً.
كما نبّه المؤتمرون على ضرورة التركيز في الخطاب العاشورائي على الجانب التشريعي في الاسلام ودوره في تنظيم حياة الفرد والمجتمع ليتحوّل ذلك إلى جعل الناس يتحركون بملكة تعمم ثقافة الحكم الشرعي لدى الأمة، والتركيز ايضاً على شخصيّات أصحاب الامام الحسين (ع) في كربلاء ودلالات تنوّعهم واختلافهم في البيئة والعنصر والجنس والسن والطبقة الاجتماعية، لما في ذلك من دروس تشحذ الأمة كل الأمة على ضرورة وحدتها بكل فئاتها وطبقاتها في مواجهة الظالمين والطغاة والمستكبرين، كما شدّد المؤتمر على ضرورة إعطاء دور المرأة اهتماماً أكبر وأكثر في المجالس الحسينية وإبراز أهميتها في الاسلام وبيان أحكامها الحقوقية والشرعية كزوجة وأم وبنت، كصانعة للأجيال وداعمة لعظماء الرجال، والتركيز على جوانب العظمة والجهاد والتضحية في النساء اللواتي عشن محنة كربلاء ومدى ارتباطهنّ بالله وانقطاعهنّ إليه سبحانه وتعالى.
وأكد المؤتمر أيضاً ضرورة التركيز على بعض المفاهيم الاسلامية العامة التي كانت في منطلقات ثورة الامام الحسين (ع) كالحرية والعبودية، والعدالة والظلم، والأثرة والايثار والشجاعة والجبن والصدق والكذب والرحمة والقسوة والوفاء والخيانة وغير ذلك، والتركيز أيضاً على حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتباره كان في أصل أهداف الامام (ع) في ثورته، وبيان موقعية ثورة الامام المهدي (عج) من التخطيط الإلهي العام للبشرية ومحاولة  الربط بينها وبين ثورة كربلاء من حيث المنطلقات والأهداف، إلى غير ذلك من الموضوعات الفكرية والثقافية والسياسية التي تحتاجها الساحة.

6 يعتبر البعض أن وظيفة مجالس العزاء تكمن في إثارة الجانب العاطفي كالبكاء والحزن فقط، ما هو تعليقكم على هذا الموضوع؟
# الجانب العاطفي أمر ضروري في المجالس الحسينية لما للعاطفة من دور كبير في احتضان الفكر، فهي لا تقل أهمية في حياة الانسان عن أهميته فيه، فليس الانسان عقلاً فقط بل هو روح وقلب ومشاعر وأحاسيس، والعاطفة قد تكون في كثير من الأحيان أكثر أثراً وأكبر في ربط الانسان بأخيه الانسان، والثقافة العاشورائية هي الكفيلة بشحذ تلك العاطفة لتجعل صاحبها يعيش بروحه مع الامام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه وتشدّك نفسه وعقله وقلبه لينفتح على مفاهيم الاسلام وشعارات الامام الحسين (ع) في ثورته.
لكن مع كل ذلك ليس إثارة الجانب العاطفي على أهميته هو الوظيفة الوحيدة التي تؤديها المجالس الحسينية، فنحن نعتقد أن الذكرى الحسينية كما أرادها أهل البيت (ع) هي مناسبة للتربية، ومناسبة لاحتواء واكتساب المفاهيم الاسلامية الأصيلة وتطبيق هذه المفاهيم، فقد أراد أهل البيت (ع) لعاشوراء وللمجالس الحسينية أن تؤدي وظيفة سياسية بالاضافة إلى الوظيفة الأخلاقية والعاطفية، فالمجالس التي أقامها أهل البيت (ع) في عام 61 للهجرة وما تلاها كانت لها وظيفة سياسية وتربوية.
السيدة زينب (ع) نُفيت من المدينة إلى مصر، ليس لأنها كانت تقيم مجلس عزاء مجرّد، إذ لماذا يكون مجلس العزاء سبباً للنفي إذا كانت السيدة زينب تجلس مع النساء وتبكي فقط؟ مجالس العزاء كانت لها وظيفة سياسية وجهادية، فقد كانت مجالس الثورة على الطغاة والمستكبرين والجائرين ومجالس الوعي والعلم والمعرفة، وكانت لهذه المجالس وظيفة حياتية حيث كانت تهدف إلى تربية كوادر جهاديّة تملك روحيّة الجهاد والاستشهاد في سبيل الله وتصنع للناس حياةً عزيزة، وكانت المجالس الحسينية تبرز أمام الناس جيلاً بعد جيل لوناً ومستوى من الروحيّة والأخلاق التي تجسّدت في أنصار الامام الحسين في كربلاء رجالاً ونساءً، فكربلاء هي مظهر إيماني وروحي وأخلاقي وجهادي رفيع المستوى، والمجالس الحسينية وظيفتها أن تُبرز هذه المظاهر لتتربى الأجيال على أساسها.

مجلة بقية الله _ www.baqiatollah.org


بسم الله الرحمن الرحيم

 

مكتبة صور تمثل واقعة الطف يوم عاشوراء

0102030405
0607080910
1112131415
1617181920
2122232425
2627282930
 
 
 

 

أنشىء هذا الموقع على بركة الله بتاريخ 1 / آذار - مارس / 2000 ..... الرجاء تحديث المعلومات ..... يتم التحديث بشكل دائم ..... آخر تحديث الإثنين 13 / آب ـ أغسطس/ 2001

1